نورالدين علي بن أحمد السمهودي
140
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وروى الواقدي من حديث سلمة امرأة أبي رافع قالت : كان أبو أيوب - حين نزل عنده النبي صلى اللّه عليه وسلم - يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس ، ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا ، وكان رباح الأسود عنده صلى اللّه عليه وسلم يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة . وتقدم في رابع فصول الباب الثاني ما رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب قال : خرجنا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا كنا بحرة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ائتوني بوضوء ، فتوضأ فقام ثم قام فاستقبل القبلة ، الحديث . وتقدم أيضا حديث أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « صلّى بأرض سعد بأرض الحرة عند بيوت السقيا - الحديث » . قلت : وبئر السقيا هذه هي التي ذكر المطري أنها في آخر منزلة النقاء على يسار السالك إلى بئر عليّ بالحرم ، قال : وهي بئر مليحة ، كبيرة ، متنورة في الجبل ، وقد تعطلت وخربت ، وعلى جانبها الشمالي - يعني من جهة المغرب - بناء مستطيل مجصص . قلت : والظاهر أنه كان حوضا أو بركة لورود الحجاج ، كانوا ينزلون بها أيام عمارة المدينة ، ولهذا سمي المطري محلها منزلة النقاء ، وما سيأتي عنه في النقاء مصرّح بذلك ، وكان بعض فقراء العجم قد جدّدها وعمرها في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فصارت تعرف ببئر الأعجام ، كما رأيته بخط الزين المراغي . قلت : وقد تهدمت وتشعّثت بعد ذلك ، فجددها الجناب الخواجكي البدري بدر الدين بن عليبة سنة ست وثمانين وثمانمائة ، تقبل الله منه وأثابه الجنة بمنه وكرمه . وتقدم في بئر إهاب أن المطري تردّد في أن هذه السقيا لقربها من الطريق أم هي البئر المعروفة اليوم بزمزم ؛ لتواتر التبرك بها ، ثم قال : إن الظاهر أن السقيا هي الأولى . قلت : وهو الصواب ؛ لزوال التردد بما منّ الله به من الظّفر بمسجد السقيا عندها ، كما تقدم فيه ، والظاهر أنها المرادة بقول الغزالي في آداب الزائر : وليغتسل من بئر الحرة ، انتهى ، وذلك لكونها على جادّة الطريق ، وكانت مجاورة لأول بيوت المدينة أيام عمارتها . وقال أبو داود عقب روايته لحديث استعذاب الماء من بيوت السقيا : قال قتيبة : السقيا عين بينها وبين المدينة يومان . قلت : وما ذكره صحيح كما سيأتي في ترجمتها ، إلا أنها ليست المرادة هنا ، وكأنه لم يطلع على أن بالمدينة بئرا تسمى بذلك ، وقد اغترّ به المجد فقال : السقيا قريبة جامعة من عمل الفرع ، ثم أورد حديث أبي داود ، وقول صاحب النهاية : السقيا منزل بين مكة والمدينة ، قيل : على يومين ، ومنه حديث « كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا » ثم قال :